أحمد زكي صفوت

170

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه ، فلما رأى ذلك منذر بن سعيد البلّوطى - وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء - قام من ذاته بدرجة من مرقاته ، فوصل افتتاح أبى علىّ لأول خطبته بكلام كان يسحه سحّا ، كأنما كان يحفظه قبل ذلك بمدة : فقال : « أما بعد حمد اللّه ، والثناء عليه ، والتّعداد لآلائه ، والشكر لنعمائه ، والصلاة والسلام على محمد صفيّه وخاتم أنبيائه ، فإن لكل حادثة مقاما ، ولكل مقام مقال ، وليس بعد الحقّ إلا الضلال ، وإني قد قمت في مقام كريم ، بين يدي ملك عظيم ، فأصغوا « 1 » إلىّ معشر الملأ بأسماعكم ، وأتقنوا عنى « 2 » بأفئدتكم ، إن من الحق أن يقال للمحقّ صدقت ، وللمبطل كذبت ، وإن الجليل تعالى في سمائه ، وتقدّس في صفاته وأسمائه ، أمر كليمه موسى صلى اللّه على نبينا وعليه وعلى جميع أنبيائه ، أن يذكّر قومه بأيام اللّه جل وعز عندهم ، وفيه وفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة ، وإني أذكّركم بأيام اللّه عندكم ، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين ، التي لمّت شعثكم ، وأمنت سربكم « 3 » ، ورفعت قوتكم ، بعد أن كنتم قليلا فكثّركم ومستضعفين فقوّاكم ، ومستذلّين فنصركم ، ولّاه اللّه رعايتكم ، وأسند إليه إمامتكم ، أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق ، وأحاطت بكم شعل النفاق ، حتى صرتم في مثل حدقة البعير ، من ضيق الحال ، ونكد العيش والتغيير ، فاستبدلتم بخلافته من الشدة الرخاء « 4 » ، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء . أنشدكم باللّه معاشر الملأ ، ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها ، والسّبل مخوفة فأمّنها

--> ( 1 ) الذي في كتب اللغة : « أصغى إليه سمعه : أماله ، وأصفى إليه : مال بسمعه نحوه » ولعل زيادة الباء في « بأسماعكم » من النساخ لا من الخطيب . ( 2 ) هكذا في نفح الطيب ، وفي مطمح الأنفس : « ومنوا على بأفئدتكم » . ( 3 ) السرب : النفس . ( 4 ) في الأصل « فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء » والصواب ما ذكرنا :